علي بن أحمد المهائمي

69

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفصّ الآدمي فصّ حكمة إلهية في كلمة آدمية « 1 » [ لمّا شاء الحقّ سبحانه من حيث أسمائه الحسنى الّتي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت : أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كلّه ، لكونه متّصفا بالوجود ، ويظهر به سرّه إليه ؛ فإنّ رؤية الشّيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ؛ فإنّه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحلّ المنظور فيه ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ ولا تجلّيه له ، وقد كان الحقّ أوجد العالم كلّه وجود شبح مستو لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى محلّا إلّا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا عبّر عنه بالنّفخ فيه ] . ( لما ) أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بحقائق الأسماء الإلهية ، وظهوراتها بصورها وآثارها ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى آدم أبي البشر عليه السّلام حيث علم الأسماء كلها ، وهي الأسماء الإلهية والكونية بظهورها فيه ، واطلاعه على ما ظهر فيه لما جواب الشرط ، وهو أوجد آدم محذوف بقرينة قوله ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة ، ( شاء الحق تعالى ) اختار هذا اللفظ لثبوت معناه له عزّ وجل في كل حال من غير توقف على أمر بخلاف بعض أسمائه تعالى الدالة على النسب ؛ فإن اعتبارها يتوقف على المنتسبين ، وإن كان الكل قديما في الواقع ( من حيث أسمائه ) لا الذات وحدها ، فإنه باعتباره غني عن العالمين ، فالتجلي الذاتي لا بدّ وأن يكون مع اسم ، وإن لم يلتفت إليه ، والأسماء تطلب الظهور في المظاهر الكونية من حيث تضمنها النسب ، ووصف الأسماء بقوله : ( الحسنى ) ؛ لأن التجلي ، وإن كان باسم جلالي ؛ فهو أيضا من حيث الظهور له جمال . ولذلك قيل : لكل جلال جمال هو دنوه من المظاهر وتآنسه بها ، وبقوله : ( التي لا يبلغها الإحصاء ) أشار إلى أن لكلّ كلي وجزئي من العالم اسما خاصا إلهيّا يؤتيه ، ولا نهاية لها ، وأراد عزّ وجل أن يظهر بها في الكون الجامع مجتمعة كاملة يحصل لظهوره بها إجمال بعد التفصيل ، وهو الظهور في الأكوان المتفرقة القاصرة ( أن يرى أعيانها ) أي : صورها الكاملة

--> ( 1 ) فص : في اللغة ، عبارة عن ملتقى الحكم الإلهيّة المشتملة على قوسي الأحديّة والواحديّة ، فالملتقى هو الوحدة الصرفة التي هي القلب المحمّدي وقلب كل نبي قبله ، والحكمة هي العلم بوضع الأشياء موضعها ، والإلهيّة هي مرتبة جامعة لجميع الأشياء ، والكلمة هي العين الفاضلة الجامعة الفاصلة المانعة كأعيان الأنبياء عليهم السّلام ، والآدميّة هي المنسوبة إلى آدم حقيقة الحقائق الإنسانية ، وأراد رضي اللّه عنه بآدم وجود العالم الإنساني .